الرئیسیة خبر رقم الخبر :21768
دبلوماسیة الخطاب الفلسطینی والقدرات الإعلامیة الحدیثة 04/03/2017 - 09:09

یتحدث هذا المقال عن الإمکانات الإعلامیة، خاصة فیما یتعلق بوسائل الإعلام الحدیثة،کما تدرس کیفیة طرح القضایا ذات الصلة بالقضیة الفلسطینیة، في محاولة لتقدیم بعض النماذج لتفعیل هذا الموضوع بشکل أوسع على المستوى العالمی.







وکالة القدس للانباء(قدسنا) الدکتور حسن بشیر*

الملخص

أوجدت التحولات العالمیة فی مجال العلاقات تغیرات أساسیة فی کیفیة النظرة تجاه الإنسان و دورها فی العالم، حیث تجاوزت التأثیرات السیاسیة و الاجتماعیة؛ و بتعبیر آخر فقد أثرت التحولات فی مجال أسالیب العلاقات على کافة الجوانب السیاسیة و الاجتماعیة و الاقتصادیة و الفکریة و الدینیة على الصعید العالمی. وتلعب وسائل الإعلام دوراً حیویاً فی هذا الصدد. فی الواقع، لقد احتلت وسائل الإعلام الیوم مکان العلاقات فی جمیع الجوانب، و على الرغم من أن مجال العلاقات أوسع بکثیر من وسائل الإعلام، ولکن وسائل الإعلام هی التی تمثل دور العلاقات تماماً و بشکل متقن. إن مثل هذه النظرة إلى دور وسائل الإعلام، تحدد قدرتها أیضاً إلى حد کبیر. وهذا الدور لیس إضافیاً فقط بالنسبة لدور رسائل التواصل، بل إن وسائل الإعلام أصبحت بذاتها رسالة أساسیة أثرت بدورها على المحتوى. وقد زاد استخدام إمکانات وسائل الإعلام فی العالم الإسلامی مع انتشار وسائل الإعلام الحدیثة. وفی هذا الصدد تتسم القضایا العالمیة المهمة و التی تقع "القضیة الفلسطینیة" على رأسها، بحساسیة أکثر عما هی علیه بقیة القضایا. منذ بدایة الاحتلال الإسرائیلی لفلسطین وحتى الآن، و محتوى وسائل الإعلام یلعب دوراً هاماً فی تمثیل القضیة. ولکن مع التطورات الجدیدة واستکشاف إمکانات وسائل الإعلام الحدیثة التی ترتبط بوجهة نظر متعددة التخصصات مع الجوانب السیاسیة والاجتماعیة والثقافیة والفکریة والدینیة؛ فیجب تغییر إنتاج المحتوى الإعلامی بشکل أکثر جدیة لکی یتم استخدام القدرات و الإمکانات الجدیدة بشکل مناسب. سوف نتطرق فی هذه المقالة إلى الإمکانات الإعلامیة، لا سیما بالنسبة لوسائل الإعلام الحدیثة، لندرس کیفیة طرح القضایا ذات الصلة بالقضیة الفلسطینیة مقدمین بعض النماذج لتفعیل هذا الموضوع بشکل أوسع على المستوى العالمی.

 

الکلمات الدلیلیة: فلسطین، إسرائیل، الإمکانات الإعلامیة، صناعة الخطاب، ضد التیار، الرأی العام، تقارب العلاقات.

 

 

المقدمة

الإعلام  لغة یعنی الإبلاغ، الإفادة، نقل معلومة لشخص ما وتأکید درایته بها. ویعبر معناه العام عن أیة وسیلة تتولى مسؤولیّة إیصال المعلومات للأفراد. إن ما نقصده بالإعلام فی عصرنا هذا، یتجاوز مفهوم النقل المادی و الذی یسمى (Transportation) بالنظر إلى المعنى اللغوی. یرتبط الإعلام بمعناه الجدید بمفهوم التواصل (Communication) و الذی صمم على أساس العلاقات الإنسانیة. إن أهم شیء یجری نقله فی العلاقات المذکورة هو "الرسالة" . و لذلک فإن وسائل الإعلام عبارة عن وسائط  تقوم بنقل الرسالة، لکن ظروف العلاقات الجدیدة و تنوع وسائل الإعلام أدى إلى تنوع فی محتوى الرسائل و شکلها و أبعادها.

و یتجاوز مفهوم الإعلام فی المجتمعات الإسلامیة أدوات التواصل، حیث تتمتع وسائل الإعلام فی هذه المجتمعات بأهمیة خاصة نظراً لنوع ارتباطها بمصدر الرسالة وحتى بنوع الرسالة التی تنقلها، و تختلف وظائفها بناءً على هذا الأساس. ونتیجة لهذا المعنى الواسع، توجد المجتمعات الإسلامیة وسائل إعلام مختلفة لنقل رسائل ذات مجموعة واسعة من المحتویات. إذن فنحن نواجه تعددیة فی وسائل الإعلام فی المجتمعات الإسلامیة من الماضی حتى الحاضر. مع التأکید على وجهة النظر هذه، یمکننا أن نقول أن وسائل الإعلام بالمعنى العام، عبارة عن نوع من التواصل والعلاقة بین المرسل والمتلقی، وبهذا المعنى، ینظر إلیها کقناة اتصال أیضاً. بهذا التصور، إذا افترضنا أن حدثاً ما، مثل الموت، یعطف اهتمامنا تجاه الخالق، ویجعل هناک نوعاً من الاتصال الروحی بیننا، فعندئذ یصبح الموت من وسائل الإعلام، وفی هذا الصدد تجدر الإشارة إلى أن وسائل الإعلام ذات تنوع کبیر فی العالم المعاصر. ووفقاً لهذا الرأی، فإن المجتمعات الدولیة، وخاصة الإسلام، تحتوی على العدید من قنوات التواصل، وحتى لو لم تکن بالمعنى التقلیدی لـ "وسائل الإعلام"، ولکنها یمکن أن تخلق نوعاً من التواصل بین فرد أو مجتمع و آخر قد یتجلى فی الله، الإنسان، الهندسة المعماریة للمسجد، الزهور، إلخ. ویمکن القول أن مفهوم الإعلام یمکن أن یتجاوز کونه وسیلة للتواصل. إن هذه النظرة إلى طبیعة وسائل الإعلام وتنوعها الوجودی، یضعنا أمام حقیقة أن کل شیء یمثل إشارة لأی معنى فی عالمنا هذا، یمکن أن یکون وسیلة لنقل رسالة. إن ما نقصده هنا لیس المفهوم الواسع، بل المقصود بالإعلام و خاصة وسائل الإعلام الجماعیة على الرغم من الاختلافات الجوهریة بین بعض وسائل الإعلام، المعنى الاصطلاحی له مثل الرادیو و التلفزیون و القنوات الفضائیة و الإنترنت و الشبکات الاجتماعیة و شبکات الجوال و غیرها. بناءً على ذلک، تعرف وسائل التواصل الجماعیة على أنها تلک المجموعة من الوسائل التی ظهرت فی العهد الحدیث و التی تتسم بشکل رئیسی بالقوة و النطاق الواسع (کازنو، 1986م: ۲).

 

 

العلاقة بین الإعلام وثقافة المجتمع

إن تاریخ ظهور وسائل الإعلام ونوع وظائفها وعلاقتها مع مختلف المصادر من أسباب اختلاف تعریف وسائل الإعلام فی المجتمعات المختلفة. فی الواقع، فإن وسائل الإعلام تتشکل فی التاریخ الثقافی للبلد وفی الوضع الراهن بالنظر إلى الثقافة العالمیة والثقافة هی التی تخلق التواصل وتقوم بتعیین مکانة وسائل الإعلام ومعناها فی المجتمع. ولذلک یمکننا القول أن وسائل الإعلام، أو بعبارة أفضل وأکثر تعبیراً تستخدمها بعض وسائل الإعلام المشترکة فی مختلف المجتمعات، یمکن أن یکون لها المعنى نفسه والمهام المشترکة ذاتها ویمکن أن تختلف فیما یخص الثقافة فی کل بلد. یمکن لهذه النظرة، أن تؤدی إلى تعمیق ثقافة وسائل الإعلام فی مختلف جوانبها من جهة، على سبیل المثال، نمط الحیاة، وأن تبنی ثقافة جدیدة مستندة إلى کیفیة تصمیم وإدارة الحیاة؛ وبذلک یکون لها جذور فی ثقافة الماضی وکذلک فی الثقافة التی تشکلت بواسطة التفاعل الجدید لوسائل الإعلام. فی مثل هذه الحالة، لا تلعب وسائل الإعلام دوراً فی تعمیق ثقافة الماضی والحاضر فحسب، بل تقوم ببناء ثقافة على أساس الثقافة الراهنة. وبعبارة أخرى، فإن "ثقافة وسائل الإعلام" ، ثقافة ولدت من التفاعل بین الثقافة و الإعلام وهی تختلف عن "وسائل الإعلام الثقافیة"  التی لا تعکس سوى الثقافة القائمة دون أن تکون هناک عملیة تفاعل بینها.

وتساهم وسائل الإعلام ضمن سیاق الثقافة القائمة، فی تشکیل وتعزیز أنماط محددة من التفکیر و السلوک والتوجه و أخیراً حیاة الإنسان و تتسم فی العالم الراهن بتنوع وکثرة کبیرة، ولقدرة کل نوع من أنواعها جذور فی کیفیة تسلیط الضوء، النقل الفوری، تمثیل العلامات المشترکة والتصویر المرکب للواقع والافتراض. وسائل الإعلام فی المجتمع، لا تقوم بنقل الرسائل المختلفة بشکل عام فحسب، بل تساهم فی توسیع وتعمیق الثقافة القائمة وإنتاج الثقافة المطلوبة وفقاً للمعاییر الدینیة والقیم والأخلاق والثقافة السائدة. وبتعبیر آخر، تعتبر وسائل الإعلام ناقلة للرسالة من جهة و منتجة لها من جهة أخرى. ومن هذا المنطلق، تصبح وسائل الإعلام هی الرسالة ذاتها التی تنعکس فی قول ماک لوهان المعروف (1998م).

ویعتقد إینغلهارت أن لوسائل الإعلام الیوم دوراً هاماً جداً فی تکوین قیم الناس و نظراتهم ومیولهم فی المجتمع. یمکن للرسائل الإعلامیة أن تخلق قیماً جدیدة وتروج لها وتظهر استعمالاتها بشکل مبالغ فیه موفرة بذلک بیئة ثقافیة لاستعمالها من قبل أفراد المجتمع (إینغلهارت، 1990م: 37).

 

فلسطین، وسیلة إعلامیة عالمیة

إذا أخذنا وجهة النظر هذه حول مفهوم الإعلام، فسوف نلاحظ أن فلسطین عبارة عن وسیلة إعلامیة عالمیة تمتعت طوال الوقت بعناها الخاص الذی یرتبط بالثقافة الاجتماعیة بعلاقة وثیقة. طالما کانت فلسطین طوال التاریخ أرضاً مقدسة، وکما جاء فی موسوعة ویکیبیدیا "وقعت أحداث غاسبلز الأربعة المذکورة فی الإنجیل تماماً فی أرض فلسطین" (ویکیبیدیا). وقال تعالى فی القرآن الکریم: ﴿یَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِی کَتَبَ اللَّهُ لَکُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِکُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِینَ﴾ (المائدة، آیة 21). احتل الصهاینة فی القرن العشرین هذه الأرض بمؤامرة عالمیة وحدثت کارثة وحشیة من الإبادة الجماعیة و التطهیر العرقی وطرد الفلسطینیین من أرض أجدادهم. ومنذ ذلک الوقت تحولت فلسطین إلى "أرض المقاومة". إن التحول الأساسی من مفهوم "مقدس" إلى "مقاوم" أو العلاقة بین مفهومی "القدسیة و المقاومة" عبارة عن حرکة مفهومیة مهمة یمکنها أن تعکس جیداً محتوى القضیة الفلسطینیة المتمحور حول الرسالة فی هذه المرحلة.

إن "فلسطین المقاومة" و "المقاومة الفلسطینیة" تحولت إلى رسالة خالدة مطروحة کوسیلة إعلامیة تامة على المستوى العالمی. إن ما ترسخ فی أذهان العالم فی هذا المجال، من المستحیل أن یتغیر أو یزول.
 

فلسطین، خطاب خالدة

العصر الراهن عصر الخطاب. إن خطاب الهیمنة، یعکس فکرة و عقیدة و نظرة و توجهاً فی بیئة اجتماعیة محددة. الخطاب فی الواقع عبارة عن فکر (Gee,1999) مهیمن یقوم بتهمیش سائر الخطابات المشابهة فی ذلک المجال. ورغم أن فلسطین شهدت کافة المؤامرات العالمیة و الضغوطات و العنف الصهیونی ضد الفلسطینیین، لکن خطابها لم یتعرض للتهمیش على الإطلاق وطالما حظی بالمرتبة الأولى على مستوى العالم. ویتمثل أحد أسباب تحول القضیة الفلسطینیة إلى خطاب خالد ومفهوم تاریخی عمیق و تراجیدی واسع فی أنها أظهرت للإنسانیة جمعاء أزمة الوجدان و الأخلاق.

 

وظائف وسائل الإعلام الجماهیریة وإمکاناتها

للإعلام الجماهیری وظائف متنوعة یمکننا أن نشیر إلى أهمها فیمایلی:

1.        التعبئة الشعبیة والإعلان

2.        القیادة والتوجیه

3.        التقارب الاجتماعی

4.        الترفیه والتسلیة

5.        الإعلام

6.        التعلیم (محسنیان راد 1990م – ص 23)

تشیر المحاور الستة المذکورة آنفاً فی الحقیقة إلى وظائف وسائل الإعلام، و تبرز سمات کل محور منها بناءً على المحتوى الإعلامی و التوجه المطروح فیه. وللمخاطبین فی هذا المجال دور أساسی، وطریقة تشفیر وفک تشفیر المحتوى من شأنها أن تعزز جوانب التواصل بینهم وبین المحتوى، وتبلغ بردود الأفعال المستوى المناسب.

 

ویشیر لاسول إلى ثلاث وظائف لوسائل الإعلام وهی:

1.        وظیفة ممارسة الرقابة على المحیط الخارجی

2.        التقارب الاجتماعی فی رد الفعل تجاه المحیط الخارجی

3.        نقل التراث الاجتماعی من جیل إلى آخر

وفضلاً عن هذه الوظائف الثلاث، یعتبر رایت أن التسلیة من الوظائف الأخرى  (Lasswell, 1948). أما ویندال و سیغنایترز و أولسون فهم یعتبرون أن أهم وظائف الإعلام عبارة عن:

1.        الوظیفة التعلیمیة

2.        الوظیفة الإخباریة

3.        البحث عن المعلومات (ویندال، ‌سیغنایتزر، أولسون،‌۱۳۸۷: ۳۰۹- ۳۱۰)

 

ویقول معتمد نجاد فیما یتعلق بالوظیفة التعلیمیة: "یعتقد علماء الاجتماع أن وسائل الإعلام تقوم بوظیفة تعلیمیة من خلال بث المعلومات الجدیدة إلى جانب جهود المعلمین و الأساتذة" (معتمد نجاد، 2007م: 5). أما فیما یتعلق بالوظیفة الإخباریة، فیرى کل من غرونیک و هانت أن السلوک التواصلی لجماعة محددة قابل للتنبؤ والإدراک من خلال تحلیل إدراکاتها لموقف معین، و بنیا نظریتهما على خمسة متغیرات: تحدید المشکلة، تحدید القیود، مستوى الصراع، البحث عن المعلومات و معالجة المعلومات. ویوجد فی نظرة غرونیک و هانت اختلاف بین الإعلام و البحث عن المعلومات حیث قام کل من کلارک و کلین بالإشارة إلى هذا الاختلاف على أنه یمکن اعتباره مستوىً من الإدراک التواصلی. "البحث عن المعلومات: عبارة عن سلوک تواصلی فعال لدراسة مخطط لها للمحیط الخارجی لأجل العثور على رسائل حول موضوع معین" (کلارک و کلین، 1995م، نقلاً عن ویندال، ‌سیغنایتزر، أولسون، 2008م: ۳۰۹- ۳۱۰). وفضلاً عن الحالات المشار إلیها أعلاه، یشیر کل من مرتون ولازارسفلد إلى ثلاث وائف رئیسیة للتواصل:

 

 

1.        الإحالة إلى القاعدة أو التصدیق

2.        تعزیز القیم الاجتماعیة أو التبلیغ

3.        الوظیفة غیر المطلوبة للتخدیر

(سورین و تانکارد، 2007م: 462-463). ویمکننا أن نشاهد خلاصة التوجهات المختلفة للمفکرین المذکورین تجاه الوظائف الإعلامیة فی المخطط البیانی رقم (1).

 

المخطط البیانی رقم (۱): وظائف الإعلام

الشروط الأولیة الأساسیة لتحقیق وظائف الإعلام
 

على الرغم من أن وظائف وسائل الإعلام تحدد على أساس طبیعتها، ولکن لأجل تمکین هذه الوظائف، هناک شروط أساسیة تحتاج إلى أن تتحقق على الرغم لأجل تمکین هذه الوظائف. وطالما بقی تحقق هذا الوضع مرتبطاً بوظیف الإعلام، فهو یتطلب تحقیق بعض الشروط الأساسیة لکی تخرج وسائل الإعلام من حالة الانحیاز وتصبح نتاج التنوع الثقافی للمجتمع:

1.        توسیع نطاق شمول التمثیل: من أجل خلق مساحة "الخطاب الإلکترونی" مستقلة وإصلاح الإهمال الحالی لاستقصاء الرأی الإعلامی.

2.        تغییر سیاسات تنظیم الأخبار: من أجل أن تعکس الرغبات الحقیقیة للجمهور ومشارکة الأنباء (عبر الحوار مع الناس).

3.        التنظیم الذاتی أو تغییر شروط تنظیم خط الإنتاج الإعلامی: الشعبیة الإخباریة والحد من التأکید على الأخبار من الأعلى إلى الأسفل.

4.        رفع قیود السلع عن الإعلام: بهدف تقریب الإعلام أکثر إلى حیاة المواطنین.

5.        أولویة السیاسة الاجتماعیة على الربحیة: بهدف التنسیق بین التحدیث التقنی وحاجات المواطنین، فمن الضروری تقدیم السیاسات الاجتماعیة على الربحیة فی مجال العلاقات.

6.        تجاوز الأبویة (Paternalism) الحکومیة والدخول إلى الإنتاج الإعلامی العام: بهدف الحفاظ على فضح الاستغلال الحکومی والحد منه، من الضروری أن تحظى العلاقات الإعلامیة بالاستقلال عن مرکز النظام السیاسی، ولا یجب أن یکون البحث العام متوقفاً على رضا الحکومة (عباس زاده، 2016م: 60-61).

 

سمات وسائل الإعلام

وتجاوزاً للوظائف المشار إلیها أعلاه، تتسم وسائل الإعلام و خاصة وسائل الإعلام الحدیثة و الافتراضیة، بسماتها الخاصة التی أدت إلى تنمیة وظائفها. فی الواقع، إن التحول الإعلامی فی عالم الیوم لیس مجرد تنمیة للأدوات، رغم أن شبکة الإنترنت العالمیة أبرزت مفهوم العالم الافتراضی مقابل العالم الواقعی بحیث أصبح بذاته واقعاً عالمیاً و أکثر واقعیة من الواقعیة المادیة.

إن سمات عالم الاتصالات الحدیث و وسائل الإعلام المبنیة على التوجه الرقمی والعالم الافتراضی و الشبکات الاجتماعیة والتیتختلف عن وسائل الإعلام الکلاسیکیة الجماهیریة بشکل أساسی؛ متنوعة للغایة وواسعة وتدعو للتحدی وتأثیراتها شاملة لکافة الجوانب. إن الحیاة الراهنة للإنسان أصبحت متوقفة إلى حد کبیر على العالم الافتراضی و مختلف نطاقاته. فی الحقیقة، بدأ الإنسان الحقیقی العصر الافتراضی، و قد جعله الوضع الجدید مختلفاً بشکل أساسی عن الإنسان السابق فی العصر الحقیقی غیر الافتراضی. وتتمیز وسائل الإعلام وخاصة الحدیثة منها بسمات مختلفة یطول شرحها، لکن لجمیعها سمات مشترکة سنتطرق إلیها فیمایلی:

 

1.        سرعة النقل

على الرغم من أن جمیع وسائل الإعلام لیست متطابقة فی نقل الرسالة والمحتوى ولکنها جمیعاً ذات سرعة فی النقل بطریقة أو بأخرى. وتنعکس هذه حقیقة فی الانترنت بشکل کبیر وهی غیر قابلة للمقارنة مع وسائل الإعلام الأخرى.

2.        جاذبیة الرسالة

ومن السمات الهامة للإعلام جاذبیة الرسالة. تتکون هذه الجاذبیة باستخدام أسلوب الفن والصوت والصورة والألوان ومعرفة المخاطب. إن قدرة وسائل الإعلام هذه رفعت من مستوى الإقناع الإعلامی للغایة.

3.        سرعة التأثیر وقوته

تتمثل إحدى میزات وسائل الإعلام فی تأثیرها السریع والقوی. ونظراً للاستعانة بالفنون والأسالیب الإعلامیة المتنوعة و الخبراء المتمرسین فی مجال الإعلام و التقید بمبادئ علم النفس و علم الاجتماع، إلخ فهی تؤثر على الجمهور بسرعة ویزید هذا التأثیر بقوة بسبب جاذبیتها.

4.        اتساع نطاق النفوذ

ومن بین سمات وسائل الإعلام، اتساع نطاق نفوذها. إن مجال تأثیر کل من وسائل الإعلام هذه مختلف وفی هذه الأثناء، یتمتع الإنترنت بنطاق تأثیر بعید المدى وعالمی.

5.        تنوع الرسائل

المقصود بهذه المیزة هو أن أیة رسائل سیاسیة واقتصادیة وثقافیة وعسکریة ودینیة، إلخ، یمکن أن تنقل من خلال وسائل الإعلام. وعلى الرغم من أن کلاً من وسائل الإعلام تمارس فعالیاتها فی مجال معین بالتوجه إلى التطبیق المحدد لها، ولکن وسائل الإعلام هذه بمجموعها یمکن أن تنقل إلى المخاطب أی نوع من الرسائل الجمیلة والقبیحة و المفرحة والمحزنة والمربحة و الضارة وغیرها.

6.        سهولة الوصول

ومن المزایا الأخرى لوسائل الإعلام، سهولة توافرها، بحیث یمکن للمخاطب الوصول إلیها فی أیة لحظة یریدها، رغم أنها تختلف عن بعضها من حیث الاستعمال. على سبیل المثال، إن الصحیف والرادیو والتلفزیون والإنترنت متاحة للجمهور، لکن کیفیة الوصول إلیها واستعمالها مختلفة (مرتضوی، 2010م: 57-58). ویمثل المخطط البیانی التالی (رقم 2) سمات وسائل الإعلام المذکورة:

المخطط البیانی رقم (۲): سمات وسائل الإعلام

إمکانات وسائل الإعلام الحدیثة

لقد تغیرت قدرة وسائل الإعلام الجدیدة بشکل جدی أیضاً وفقاً للتغیرات التی سنتطرق إلیها لاحقاً. فی الواقع، فإن هذه القدرة أصبحت قدرة الهجینة تضم داخلها العدید من العناصر والمحاور المختلفة.

سوف نتطرق فیمایلی بإیجاز إلى أهم القدرات الجدیدة للإعلام الحدیث. من البدیهی أن هذه القدرات والإمکانات قد زادت و تطورت مع مرور الزمن. سوف یشهد العالم فی المستقبل تحولات واسعة مع هذه القدرات الجدیدة وسوف تختلف هذه التحولات بشکل جذری عن تحولات القرون الماضیة.

 

1.        الحسم

2.        بناء الخطاب

3.        استغلال الرأی العام

4.        الدعوة للرد بسرعة

5.        المراقبة المستمرة

6.        بناء التیار المعاکس

7.        بناء الثقافة
 

یوضح المخطط البیانی رقم 3 القدرات الإعلامیة الجدیدة.

 

المخطط البیانی رقم 3 القدرات الإعلامیة الجدیدة

ونظراً لأهمیة القدرات المذکورة آنفاً ولأجل لتحقیق أهداف هذه المقالة حول فلسطین و القدرات الإعلامیة الحدیثة، فنحن بحاجة إلى توضیحات أکثر وسوف نشیر إلیها باختصار.

1.        الحسم

الحسم من أهم سمات وسائل الإعلام، ولا سیما الإعلام الحدیث. أول من طرح مفهوم حسم وسائل الإعلام هو ألتوسر (2008م). ویشیر هذا المفهوم إلى أن وسائل الإعلام قادرة فی مراحل مختلفة على تعیین کیفیة الخطاب أو الروایات التی تصدرها. على سبیل المثال، یحت الجهاز الإعلامی فی مرحلة من المراحل موقعاً حاسماً ویحدد أیة من روایات النظم الاجتماعیة والمواطنة و الثقافة والتنمیة وغیرها تخرج للعلن و أیها یبقى صامتاً (Durham and Kellner, 2005)  .

2.        بناء الخطاب

الخطاب سمة من سمات عصرنا. الخطاب فی العصر الراهن أداة هامة من أدوات السلطة الناعمة حیث یمکن من خلاله الهیمنة على العالم و الرأی العام للعالمین. إن ظهور دبلوماسیة الخطاب (بشیر، 2016م) فی هذا الشأن، یبین أهمیة هذا المفهوم فی التحولات العالمیة. ویعتقد مفکرو تحلیل الخطاب وما بعد الحداثیین عموماً أنه لیست هناک أیة حقیقة ذاتیة – هیکلیة قبل الخطاب. فی الواقع، إنهم یصرون على أن حیاة الإنسان تتشکل بواسطة الخطابات لا توجد أیة حقیقة غیر خطابیة وجوداً خارجیاً، کما یرون أن الحقیقة الوحیدة الموجودة هی الخطاب الذی یحدد الوجود اللانهائی ویحذف بعض جوانبه و یبقی على البعض منها(Stanley, 1886). ویعتبر إیجاد خطابات هادفة (أو بناء الخطاب) فی عالمنا هذا من أهم أسالیب الإعلان الحالیة فی المجالات ذات الصلة. إن الخطاب بقدرته هذه قادر على استغلال الرأی العام العالمی وتحقیق أهدافه.

3.        استغلال الرأی عمومی

بشکل عام، فإن الرأی العام هو ظاهرة جماعیة؛ وبالتالی یجب أخذ العلاقة بین الأفراد والعلاقة الجماعیة بعین الاعتبار فی تشکیل هذه العملیة. فیمایلی بعض جوانب العلاقات بین الأفراد والتی تؤثر فی تشکیل الرأی العام:

1.        الحوار والمباحثات

2.        النسخ

3.        الإقناع

4.        دینامیکیة المجموعة

ولذلک یجب الاهتمام کثیراً بالعلاقة بین الأفراد والعلاقة الجماعیة فیما یعلق بالرأی العام. بتعبیر آخر، فإن الرأی العام  اصطلاحاً یطلق على الآراء والمناهج والتقییم الاجتماعی المشترک فیما یتعلق بقضیة معینة یهتم بها الجمیع فی لحظة معینة وتنتشر بین عدد من الأفراد فی شریحة اجتماعیة أو فی مختلف أنحاء المجتمع بشکل نسبی (آقابخشی وأفشاری راد، 2000م: 480). یتجلى الرأی العام على شکل تأیید أو مخالفة عمل او رأی أو شخص أو حادثة أو مطلب أو رغبة أو مقترح أو توصیة (مهرآرا، 1993م: 371). على الرغم من أن رسالة وسائل الإعلام تؤثر بشکل کبیر على تکوین الرأی العام، لکن دور قادة الرأی العام یعتبر أهم عامل فی تکوین الرأی العام عن طریق وسائل الإعلام.

4.        الدعوة للرد بسرعة

من القدرات الهامة لوسائل الإعلام الجدیدة دعوة الجمهور والمتواصلین للرد بسرعة على الرسائل التی ترسلها. هذه القدرة ذات أهمیة خاصة فی الفضاء الافتراضی الذی تهیمن علیه السرعة والحرکة یتمتع بأهمیة کبیرة فی تشکیل الرد.

5.        المراقبة المستمرة

إن ظهور وسائل الإعلام التفاعلیة وتحول المرسلین والمتلقین للرسائل إلى متواصلین إعلامیین یقومون بإنتاج الرسائل وتوزیعها فی الوقت ذاته و تواصلهم المتزامن مع بعضهم البعض على المستوى العالمی أدى إلى مراقبتهم لما یحدث فی العالم بشکل مستمر. تلعب هذه المراقبة دوراً أساسیاً فی تکوین أفکار جدیدة وثقافة متدفقة وهویة متعددة الأوجه.

6.        بناء التیار المعاکس

إن التیار المعاکس (Contra-flow)، لیس تیاراً مضاداً (Counter-flow). إن التیار المعاکس عبارة عن تیارات أخرى لا تهتم بالرد على تیار محدد بشکل مباشر ولکن یمکن اعتبارها فی النهایة رداً على ذلک التیار. ومن الأمثلة المعروفة للتیار المعاکس فی مجال العلاقات، إیجاد بولیوود مقابل هولیوود و قناة الجزیرة مقابل سی إن إن و العربیة مقابل العالم وغیرها (بوید-بارت و کیشان تسو، 2002م).

لقد تحول إیجاد التیار المعاکس الیوم بذاته إلى تیار مهم. إن العدید من الحرکات السیاسیة التی تسعى إلى إیجاد تیار معاکس على المستوى العالمی، قید التکوین حالیاً.

7.        بناء الثقافة

الثقافة عبارة عن نتاج التفاعل التاریخی بین الناس فی مجتمع ما. ویشمل هذا التفاعل التاریخی کافة الرموز والتمثیلات الاجتماعیة والسیاسیة والدینیة والاقتصادیة والفنیة والفکریة. تحولت وسائل الإعلام فی العصر الراهن إلى عامل مهم فی بناء الثقافة بسبب اتساع تأثیرها فی نقل الأفکار و أنماط الحیاة. ولا تظهر أهمیة هذه السمة عندما تدفع وسائل الإعلام بالإنسان إلى التفکیر، بل عندما تحدد له مجالاً للتفکیر وأسلوباً له.
 

التحولات الممهدة لظهور قدرات الإعلام الحدیث

إن ظهور الإمکانات الإعلامیة الجدیدة حدث على أساس التحولات الهامة و التی سوف نشیر إلى أهمها فیمایلی:

1.        تطور وسائل الإعلام ذات الجانب الواحد إلى وسائل الإعلام التفاعلیة (التفاعل الإعلامی)

2.        تطور مفهوم المرسل – المستقبل إلى متواصل (المتواصلون النشطون)

3.        تطور المحتوى التزامنی إلى محتوى تزامنی – تداخلی (محتوى تزامنی – تداخلی)

4.        تطور المحتوى الثابت إلى المحتوى الدینامیکی (محتوى جوال)

5.        تطور قدرة الرسالة من المستوى المحلی إلى العالمی (الرسالة العالمیة)

6.        التطور وسائل الإعلام الموحدة إلى تنوع وسائل الإعلام (وسائل الإعلام التنوع)

7.        التطور من بناء البرامج الانتقائی إلى أنظمة الوسائط المتعددة. (الوسائط المتعددة)

وکما یقول هوغیفین فإن ظهور وسائل الإعلام ذات الانتقاء الذاتی (Self-selected Media) فی عصر الاتصالات الراهن ذو أهمیة کبیرة فی تولید مفهوم الوسائط المتعددة (Hoogeveen, 2004: 158-165). یشیر المخطط البیانی التالی (رقم 4) إلى التحولات المذکورة.

المخطط البیانی رقم 4: التحولات الممهدة لظهور قدرات الإعلام الحدیث

 

دبلوماسیة الخطاب الفلسطینی و القدرات الإعلامیة

تتمثل إحدى الطرق الجدیدة فی طرح القضایا العالمیة والتی یمکن أن تزید بشکل کبیر من فعالیة مختلف المفاهیم وتوسع آثارها على المجتمع الدولی، فی الاستخدام المناسب لوسائل الإعلام فی طرح خطابات معینة یمکن أن نسمیها نوعاً ما بـ "دبلوماسیة الخطاب".

فی الحقیقة، إن دبلوماسیة الخطاب عبارة عن دبلوماسیة استخدام اللغة التطبیقیة لمختلف الشعوب بشکل یؤدی إلى تقارب تواصلی مبنی على الإدراک الخطابی والاشتراک ذی المعنى و یحقق الأهداف السیاسیة و الثقافیة و الإعلامیة (بشیر، 2016م: 92-93).

وفضلاً عن أن فلسطین تمثل أرضاً و شعباً و تاریخاً و هویة و مجتمعاً کاملاً، فهی مفهوم تحول إلى "خطاب شامل" بسبب التحولات المختلفة التی طرأت علیه وفیما یتعلق به خلال القرنین العشرین و الواحد و العشرین. یمثل هذا الخطاب کل ما حدث طوال تاریخ فلسطین.

إن فهم هذا الخطاب منه، وکیفیة الرجوع إلیه، وخلق تیارات خطابیة معاکسة فیما یتعلق به وخطة ما بعد الخطابات المرتبطة به فی وسائل الإعلام التی تشکل قنوات الاتصال العالمیة الأکثر أهمیة، من أهم التدابیر اللازمة لتعمیق وتوسیع هذه القضیة والخطاب الفلسطینی فی أذهان المجتمع الدولی.

إن معرفة المجتمعات الخطابیة لتحدید خطابها المناسبة فیما یتعلق بتصمیم مختلف جوانب القضیة الفلسطینیة، یتطلب الفهم الثقافی باستخدام منهج EMIC   و ETIC   فیما یتعلق بتلک المجتمعات. فی الوضع العالمی الراهن، یحظى مثل هذا النهج الذی یتمحور حول الإدراک لشرح وتعمیق الخطاب الفلسطینی بأهمیة کبیرة.

إن ما بحثنا فیه حول التطبیقات وقدرات وسائل الإعلام من هذه المقالة، یقودنا إلى الاستنتاج بأن طرح الخطاب الفلسطینی بحاجة إلى مراجعة وسائل الإعلام الجدیدة مجدداً وفقاً لقدراتها وتطبیقاتها الجدیدة. وبسبب الاختلافات الثقافیة فی العالم، یجب الاهتمام بشکل أساسی بمفهوم "التکیف الخطابی" مع الثقافة السائد فی کل مجتمع.

إن التکیف الخطابی، مثل التکیف التواصلی، یجب أن یحدث على العتبة الخطابیة. إذا طرح التکیف الخطابی خارج هذه العتبة، فلن یصل إلى مرحلة الهیمنة على الإطلاق. وبتعبیر آخر، هناک خطابات هامشیة أو أشباه خطابات لم تتمکن من الارتقاء بنفسها إلى العتبة الخطابیة، فلم تکتسب القدرة على مواجهة الخطابات الأخرى من جهة، ولم تتمکن من الهیمنة من جهة أخرى. الخطاب القادر على الهیمنة هو الخطاب القادر على تحقیق تکیف خطابی على العتبة الخطابیة باستعمال لغة خطابیة مناسبة (بشیر، 2016م: 108).

ویقترح الکاتب بالنسبة لطرح القضیة الفلسطینیة من جدید، استعمال الدبلوماسیة الخطابیة لیس من قبل الفلسطینیین فحسب، بل من کافة المسلمین سواء فی البنى الحکومیة أو غیر الحکومیة بالإضافة إلى المجتمع العالمی الذی لا یزال یؤمن بالضمیر و العدالة الإنسانیة.

نموذج دبلوماسیة الخطاب الفلسطینی للتکیف الخطابی

لتمکین الدبلوماسیة الخطابیة الفلسطینیة، وخاصة باستخدام قدرات وسائل الإعلام الجدیدة، نقترح نموذجاً سنشیر إلیه هنا بإیجاز. إن ما هو مهم فی هذا النموذج، تمهید الطریق لتحقیقه فی جمیع أنحاء العالم التی تولی اهتماماً خاصاً بالقضیة الفلسطینیة.

یتمثل الهدف الأهم فی هذا النموذج، فی تحقیق التکیف الخطابی من خلال تفعیل الدبلوماسیة الخطابیة. یمثل المخطط البیانی رقم 5 العناصر الرئیسیة لهذا النموذج. کما هو مبین فی المخطط البیانی المذکور، فإن العوامل الممهدة للتکیف الخطابی، تتجه إلى مستویات مختلفة یکون لها تأثیر جوهری على إنشاء هذا التکیف. ولکن کل هذه العوامل تتطلب عاملین أساسیین هما "بناء المفهوم الخطابی" و "الإدارة الخطابیة". جمیع هذه العوامل وکذلک العوامل الأساسیة تتطلب مستوىً مناسباً من المعرفة والتکیف الثقافی والفکری والذی لو لم یکن موجوداً، لتعرض مبدأ التکیف إلى التقویض.

یحتاج فهم هذه العملیة إلى دراسات مستفیضة فی مجال "المجتمعات الخطابیة"، "العلاقات الدولیة"، "التواصل بین الثقافات" و "الطرق التفاعلیة". بدون هذه الدراسات، لا یمکن لأیة مشکلة عالمیة، بما فی ذلک القضیة الفلسطینیة التی نتطرق إلیها فی هذه المقالة، أن تحقق أهدافها الحقیقیة المنشودة.

المخطط البیانی رقم 5: نموذج دبلوماسیة الخطاب الفلسطینی للتکیف الخطابی

 

نموذج التکیف الخطابی الفلسطینی وقدرات وسائل الإعلام

بالإضافة إلى النموذج المبین فی الشکل (5) حول عملیة تحقیق التکیف الخطابی الفلسطینی على المستوى العالمی، فمن الضروری تحدید العلاقة بین هذا النموذج وقدرات وسائل الإعلام الحدیثة وهو الهدف الرئیسی من هذه المقالة.

إن التکیف الخطابی المطلوب قادر على تحقیق أهدافه المنشودة فیما یتعلق بالقضیة الفلسطینیة عبر الاستفادة من قدرات وسائل الإعلام الحدیثة، وخصوصاً فی الفضاء الافتراضی. فی هذا المجال، تعتبر قدرات وسائل الإعلام بمثابة محفز لـ " القفزة الخطابیة" وسیکون له تأثیر عمیق على أسالیب التواصل فی الظروف الجدیدة على مستوى العالم.

ولکن لخلق علاقة فعالة بین التکیف الخطابی وقدرة وسائل الاعلام أو بعبارة أخرى استخدام قوة وسائل الإعلام وقدرتها لتحقیق التکیف الخطابی لصالح أهداف القضیة الفلسطینیة، فإن الأمر یتطلب مستوىً جیداً من التقارب التواصلی لتحقیق الخطاب المهیمن الذی یقوم بتهمیش سائر الخطابات بما فی ذلک خطاب الکیان الصهیونی المحتل. ویبین المخطط البیانی رقم 6 عملیة تحقیق هذا التنسیق التواصلی. تبدأ العملیة المذکورة من الإدراک الخطابی وتنتهی بالاهتمام بالظروف الخارجیة المحیطة. وتعکس العوامل السیاسیة والثقافیة والإعلامیة، الدبلوماسیة العامة والدبلوماسیة الثقافیة و الدبلوماسیة الإعلامیة التی تحظى بأهمیة کبیرة فی هذه العملیة. إن بناء الخطاب والخطاب المهیمن لتحقیق التقارب التواصلی أمر مهم جداً. وینبغی أن یستند تصمیم الخطاب على مبادئه الخاصة ویؤخذ دوره فی المجتمع بعین الاعتبار. وللهیمنة الخطابیة کذلک عملیاتها الخاصة والتی ینبغی أن تؤخذ بعین الاعتبار جنباً إلى جنب مع مبدأ الخطاب، وتسلیط الضوء علیه عن طریق تهمیش سائر الخطابات.

بدون خلق مستوى مرغوب فیه من التقارب التواصلی بین القضیة المطلوبة أو بعبارة أخرى الخطاب المستهدف والمجتمعات الخطابیة، فلن تکون هناک إمکانیة لتحقیق الأهداف المرجوة فیما یتعلق بتلک المسألة. بتعبیر آخر، تهتم هذه المقالة بأساس هیمنة الخطاب الفلسطینی و الذی یتمثل فی تحقیق التقارب التواصلی العالمی بینها و بین العالمین. لا یمکننا الحدیث عن أی خطاب فلسطینی مهیمن دون هذا التقارب.

المخطط البیانی رقم 6: العوامل البنیویة و العوامل السطحیة المؤثرة على عملیة تحدید وتحقیق الخطاب لأجل التقارب التواصلی (المصدر: بشیر، 2016م: 110).

 

 

إن الاستخدام الأمثل لقدرات وسائل الإعلام لتحقیق التقارب التواصل و فی النهایة التکیف الخطابی أمر فی غایة الأهمیة. إن النموذج النهائی فی هذا الصدد والذی یحقق الغرض المنشود، یتمثل فی الشکل (7(

المخطط رقم 7: عملیة تفاعل التکیف الخطابی ووسائل الإعلام

 

وکما هو مبین فی المخطط البیانی رقم 7، فإن مرحلة نتیجة التفاعل بین التکیف الخطابی وقدرات وسائل الإعلام أو بتعبیر آخر، استعمال قدرة وسائل الإعلام و قوتها لتحقیق التکیف الخطابی و التقارب التواصلی، تتحقق بإقناع العالم بالخطاب المطروح.

إن الإقناع العالمی فی أیة مرحلة حول القضیة الفلسطینیة، هو أهم نتائج بناء خطاب القضیة الفلسطینیة. الإقناع العالمی یتجاوز إقناع الحکومات وتلعب الجماهیر دوراً هاماً فی هذا المجال. إن إقناع المجتمع العالمی من شأنه أن یضغط على الحکومات وبذلک یحقق الهدف المنشود.
 

نموذج من أسلوب بناء خطاب القضیة الفلسطینیة

تتمثل واحدة من القضایا الهامة التی تتعلق بالقضیة الفلسطینیة بقضیة الاستیطان غیر القانونی للیهود الإسرائیلیین فی الأراضی الفلسطینیة. تعتبر هذه القضیة من القضایا الرئیسیة التی من شأنها أن تجعل الکیان الصهیونی المحتل یسیطر على ما تبقى من الأراضی الفلسطینیة فی المستقبل. إن فهم حجم المشکلة، وتحدید موضوع خطابها، وتوضیح العناصر والدوال الأساسیة، واستخدام اللغة والأدب المناسب لإنشاء رسائل مرتبطة بها، بناء الخطابات المختلفة حولها، محاولة تحقیق مستوى من التکیف الخطابی على المستوى العالمی، محاولة إیجاد التقارب التواصلی حولها وأخیراً إقناع العالم بأنها مخالفة للقوانین الدولیة؛ أمر جدیر بالاهتمام فی هذه العملیة. ویمثل المخطط البیانی رقم 8 هذه العملیة.

المخطط البیانی رقم 8: عملیة إقناع العالم بأن الاستیطان الإسرائیلی فی الأراضی الفلسطینیة أمر مخالف للقوانین الدولیة.

إن ما نقصده من بناء الخطابات المختلفة حول القضیة الفلسطینیة هو أنه یمکننا دراسة القضیة المطلوبة بمختلف جوانبها وتصمیم الخطاب اللازم بحجم ما لدینا من قدرات وإمکانات سیاسیة و حقوقیة و دولیة و اجتماعیة وإنسانیة وغیرها فی هذا المجال. إن الاکتفاء بجزء من أبعاد المشکلة، أی دون النظر إلى جوانب أخرى مثل تقدیم الشکاوى إلى الأمم المتحدة، واحدة من نقاط الضعف الأساسیة فی هذا الشأن.
 

النتیجة

القضیة الفلسطینیة قضیة عالمیة وکذلک خطابها فهو عالمی. ورغم أنه لا شک فی أن القضیة الفلسطینیة ذات أبعاد عالمیة، لکن ظهور القوى و القدرات الإعلامیة الجدیدة وخاصة فی الفضاء الافتراضی وحضور المتواصلین العالمیین فی هذا الفضاء المتحرک، یلفت النظر أکثر إلى ضرورة الاهتمام بهذا الخطاب العالمی وخلق خطابات جدیدة حوله.

إن الفهم الصحیح لمهام وقدرات وسائل الإعلام فی خلق الخطابات المناسب أمر مهم جداً. الفضاء الافتراضی وازدواجیة الفضاء العالمی (عاملی، 2004م) یمهد الطریق لتعدد الخطابات فیما یتعلق بفلسطین، ویزید من المساهمة العالمیة حولها.

ولأجل خلق خطابات جدیدة فیما یتعلق بالقضیة الفلسطینیة، فقد قمنا بتقدیم نماذج وعملیات فی هذه المقالة نذکر منها المساهمة العملیاتیة فی فهم حجم المشکلة، وتحدید موضوع خطابها، وتوضیح العناصر والدوال الأساسیة، واستخدام اللغة والأدب المناسب لإنشاء رسائل مرتبطة بها، بناء الخطابات المختلفة حولها، محاولة تحقیق مستوى من التکیف الخطابی على المستوى العالمی، محاولة إیجاد التقارب التواصلی حولها وأخیراً إقناع العالم.

ویمکن تطبیق هذه العملیة على کافة جوانب القضیة الفلسطینیة. من البدیهی أن تفعیل المتواصلین العالمیین عبر الشبکات العالمیة مثل شبکة الإنترنت، أمر غایة فی الأهمیة فی خلق الخطاب الفلسطینی و ترسیخه.

 

 

* بروفیسور فی جامعة الإمام الصادق (ع(

 

 

-المصادر الفارسیة

 

1.        القرآن الکریم.

2.        آقابخشی، علی و افشاری‌راد، مینو (2000م) فرهنگ علوم سیاسی، الطبعة الأولى طهران: دار نشر چاپار.

3.        آقابخشی، علی و افشاری‌راد، مینو (2000م) فرهنگ علوم سیاسی، الطبعة الأولى، طهران: دار نشر چاپار.

4.        آلتوسر, لویی (2008م) ایدئولوژی و سازوبرگ‏های ایدئولوژیک دولت، ترجمة: روزبه صدرآرا، طهران: چشمه.

5.        بشیر، حسن (2016م) دیپلماسی گفتانی: تعامل سیاست، فرهنگ و ارتباطات، الطبعة الأولى، دار نشر جامعة الإمام الصادق (ع).

6.        بوید-بارت، الیور و کیشان توسو، دایا (2012م)، ضدجریان در اخبار جهانی، ترجمه: حسن بشیر و محمد معماریان، الطبعة الأولى، طهران: دار نشر جامعة الإمام الصادق (ع).

7.        سورین، ورنر، تانکارد، جیمز (2007م)، نظریه های ارتباطات، ترجمه علیرضا دهقان، الطبعة الثالثة، طهران: دار نشر جامعة طهران.

8.        عاملی، سعید رضا (2004م) دو جهانی شدنها و آینده هویتهای همزمان، موقع نادی اندیشه:http://bashgah.net/modules.php?name=Articles&op=peoples&pid=107

9.        عباس زاده،‌ محسن ( 2016م ) «رسانه و کنش گریِ دموکراتیک؛ امکان ها و محدودی تهای دموکراسیِ رسانه محور»، رسانه و فرهنگ، مرکز بحوث العلوم الإنسانیة و الدراسات الثقافیة، السنة 6، العدد الأول، ربیع و صیف 2016م، صص  43-67.

10.      کازنو، جان (1986م)  جامعه شناسی وسایل ارتباط جمعی.ترجمه: منوچهر محسنی و باقر ساروخانی، طهران: دار نشر اطلاعات.

11.      محسنیان راد، مهدی، 1990م، ارتباط شناسی، طهران: دار نشر سروش.

12.      مرتضوی، سیدمحمد (2010م) «ظرفیت ها و محدودیت های رسانه در جامعه و دولت زمینه ساز ظهور منجی موعود»، مجلة مشرق موعود، السنة 4، العدد ۱۶، شتاء 2010م، صص 55-۷۹.

13.      معتمدنژاد، کاظم (2007م) ارتباطات بین المللی، طهران: وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامی.

14.      مک لوهان، مارشال (1998م) برای درک رسانه ها، ترجمه:‌ سعید آذری،  الطبعة الأولى، مرکز البحوث والدراسات والتقییم التابع للإذاعة والتلفزیون.

15.      مهرآرا، علی اکبر (1994م) زمینه روانشناسی اجتماعی طهران: دار نشر مهرداد.

16.      ویکیبیدیا، الموسوعة الحرة.

17.      ویندال، سون؛ سیغنایتزر، بنو؛ اولسون، جین تی (2008م) کاربرد نظریه های ارتباطات، ترجمه: علیرضا دهقان، طهران: دار نشر جامعه شناسان.

 

-      المصادر الإنجلیزیة

 

18.      Durham , Meenakshi Gigi and Douglas Kellner , (2005) "Media and Cultural Studies (Key works in Cultural Studies)".

19.      Gee, James Paul (1999) An Introduction to Discourse Analysis, New York and London: Routledge.

20.      Hoogeveen, M (2004) "Towards a Theory of Effectiveness of Multimedia Systems", International Journal of Human- Computer Interaction, 9 (2).

21.      Inglehart, R. (1990), Culture Shift in Advanced Industrial Societies, Princeton: N.J: Princeton University Press.

22.      Lasswell, H. (1948) “The structure and function of communication in society”, in: Bryson, L. (ed.) (1948) The Communication of Ideas, New York: Institute for Religious and Social Studies; Also in: Schramm, W. (ed.) Mass Communications, Illinois: University of Illinois Press.

23.      Stanley, J. Grenz (1996)“A Primer on Postmodernism”, Paperback.

 

*ملحوظة: المقال یعبر عن راي صاحبه ولايعبر بالضرورة عن رأي وکالة قدسنا